تُظهر دراسة حديثة نسقتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» تراجع مستويات سوء التغذية الحاد بين الأطفال في غزة، لكن بيتر أوبورن وعرفان شودري يريان أن مؤيدي إسرائيل يسيئون تفسير نتائج الدراسة، إذ لا تلغي التحسن الذي ظهر في منتصف عام 2026 حقيقة المجاعة التي أكدتها الجهات المختصة في أغسطس 2025، ولا تنفي آثار الحرمان الغذائي الذي عانى منه أطفال القطاع.
وبحسب ميدل إيست آي، دأبت إسرائيل على نفي استخدامها التجويع سلاحًا في الحرب على غزة، وتعود هذه النفي إلى المذكرة التي قدمتها أمام محكمة العدل الدولية ردًا على دعوى الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا في لاهاي في يناير 2024. وادعى محامو إسرائيل آنذاك أن حكومتهم أعلنت مرارًا أنه لا توجد قيود على كميات الغذاء والمياه والمأوى والإمدادات الطبية التي يمكن إدخالها إلى غزة.
نفي التجويع يتعارض مع تقارير المنظمات الإنسانية
واجهت منظمات حقوق الإنسان هذه الادعاءات منذ بداية الحرب. فقد أفادت منظمة العفو الدولية بأن السلطات الإسرائيلية لم تسمح في أي وقت بين أكتوبر 2023 ومطلع يوليو 2024 بإدخال كميات كافية من المساعدات وغيرها من الإمدادات الأساسية المنقذة للحياة.
وبعد أن فرضت إسرائيل حصارًا شاملًا على غزة بين مارس ومنتصف مايو 2025، قالت منظمة الصحة العالمية إن الحصار أدى إلى واحدة من أسوأ أزمات الجوع في العالم، مشيرة إلى وفاة 57 طفلًا بسبب سوء التغذية، مع تحذيرها من أن الرقم قد يكون أقل من العدد الحقيقي.
وعندما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في نوفمبر 2024، شملت الاتهامات الموجهة إليه جرائم حرب تتعلق باستخدام التجويع أسلوبًا من أساليب الحرب، وتوجيه هجمات عمدًا ضد السكان المدنيين.
ومن الطبيعي أن ترفض إسرائيل هذه الاتهامات، كما دأب مؤيدوها على الطعن فيها. لكنهم أطلقوا الأسبوع الماضي حملة جديدة عقب نشر دراسة لليونيسف تناولت سوء التغذية بين الأطفال دون سن الخامسة في غزة.
«النتيجتان صحيحتان في الوقت نفسه»
كان السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي من أوائل الذين استندوا إلى الدراسة، إذ كتب على منصة «إكس» أن منظمة تابعة للأمم المتحدة، وصفها بأنها ليست صديقة لإسرائيل، «دحضت كذبة تجويع الأطفال»، مضيفًا أن الحديث عن إبادة إسرائيلية في غزة «أخفق مجددًا».
كما قال المتحدث السابق باسم الحكومة الإسرائيلية إيلون ليفي إن «مجاعة غزة كانت خدعة منذ البداية»، بينما نشرت منظمة «UN Watch»، التي تراقب الأمم المتحدة من منظور مؤيد لإسرائيل، أن غزة لا تعاني مجاعة وفقًا لليونيسف، مستندة إلى ما وصفته بانخفاض معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال.
وكتب أندرو فوكس، الباحث في جمعية هنري جاكسون، أن فكرة حدوث مجاعة في غزة خلال الهجوم الإسرائيلي «دُحضت بشكل قاطع».
لكن أوبورن وشودري يشددان على أن أي خبر يفيد بأن أطفال غزة أصبحوا أفضل تغذية يستحق الترحيب، وأن تحسن أوضاع الأطفال نتيجة دخول مزيد من الغذاء إلى القطاع يمثل تطورًا إيجابيًا ينبغي الإقرار به.
غير أن الدراسة لا تقدم، بحسب الكاتبين، أي دليل يبرر الادعاءات التي أطلقها هاكابي وآخرون بأن المجاعة لم تحدث في غزة أصلًا.
وتواصل الكاتبان مع اليونيسف لتوضيح هذه النقطة، فردت المنظمة بأن المسح الغذائي الحديث يقيس الأوضاع في منتصف عام 2026، أي بعد أكثر من تسعة أشهر من تأكيد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي «IPC» وقوع مجاعة في أغسطس 2025، وبعد وقف إطلاق النار وتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية بصورة كبيرة.
وأوضحت اليونيسف أن المسح لا يستطيع تحديد الظروف التي سادت في أغسطس 2025، كما أنه لم يُصمم لهذا الغرض، مؤكدة أن «النتيجتين صحيحتان في الوقت نفسه»: فقد تأكدت المجاعة آنذاك، بينما انخفض سوء التغذية الحاد بين الأطفال منذ ذلك الحين. وأرجعت المنظمة هذا التحسن إلى المساعدات التي وصلت إلى القطاع خلال الفترة الفاصلة، وليس إلى عدم الحاجة إليها.
آثار التجويع لا تمحوها أرقام التعافي
أكدت منظمة «ميديكال إيد فور بالستينيانز» البريطانية النقطة ذاتها، قائلة إن الادعاءات بأن المجاعة لم تحدث في غزة «خاطئة ومضللة وخطيرة».
وأشارت المنظمة إلى أن قياس الحالة الغذائية للأطفال في الوقت الراهن لا يستطيع بأثر رجعي دحض نتيجة المجاعة التي خلص إليها تقييم العام الماضي.
وقالت المنظمة إن النتيجتين يمكن أن تتعايشا: فقد أكد التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي وقوع المجاعة في غزة في أغسطس 2025، بينما أظهر المسح الذي نسقته اليونيسف انخفاض سوء التغذية بين الأطفال الذين شملهم المسح منذ ذلك الحين. واعتبرت أن تفسير النتيجة الثانية باعتبارها نفيًا للأولى يمثل إساءة استخدام للبيانات وتحريفًا لنتائج المسح.
ويشير الكاتبان إلى نتيجة أخرى في الدراسة الحديثة تجاهلها هاكابي وآخرون، وهي أن نحو طفل واحد من كل ثمانية أطفال دون الخامسة يعاني توقف النمو، وهو مؤشر وصفته اليونيسف بأنه يعكس ضغوطًا غذائية طويلة الأمد وحرمانًا متكررًا يتجاوز مجرد الهزال الآني.
وتعرّف منظمة الصحة العالمية توقف النمو بأنه ضعف في نمو الأطفال وتطورهم نتيجة سوء التغذية وتكرار الإصابة بالعدوى وعدم كفاية التحفيز النفسي والاجتماعي.
وغالبًا ما تكون آثار توقف النمو غير قابلة للعكس، كما تترك عواقب خطيرة طويلة الأمد. ويرى الكاتبان أن هذه الحالة تشكل نتيجة حتمية لسوء التغذية والتجويع اللذين سجلتهما منظمات الإغاثة بعد بدء الهجوم العسكري الإسرائيلي على غزة.
وقال مارتن شو، الأستاذ الفخري للعلاقات الدولية والسياسة في جامعة ساسكس والخبير في قضايا الإبادة الجماعية، إن آثار فترات التجويع السابقة التي اتبعتها إسرائيل في غزة بين عامي 2023 و2025 تظهر في توقف نمو الأطفال.
وأضاف أن آثار ثلاثة أعوام من العنف العسكري الإسرائيلي، بما شمل الإصابات وبتر الأطراف والأمراض غير المعالجة وفقدان الأحباء والضغط النفسي الهائل وتدمير الخدمات الصحية والتعليمية، تظهر جميعها في الحالة التي وصل إليها الأطفال في القطاع.
كما لفت الكاتبان إلى أن استنتاج الدراسة بشأن انخفاض معدل سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون الخامسة في المناطق الواقعة خارج الخط الأصفر يعتمد على أوزان الأطفال المسجلين.
تحسن أرقام سوء التغذية لا يلغي ما حدث
قال مايك سباغات، أستاذ الاقتصاد في جامعة رويال هولواي، إن أوزان الأطفال يمكن أن تنخفض بشدة خلال أسابيع قليلة، كما يمكن أن تستعيد ارتفاعها خلال أسابيع قليلة عند توفير العلاج المناسب، خصوصًا عندما يقدمه متخصصون.
وأوضح أن قياس الهزال يمثل لقطة للحالة في لحظة زمنية محددة، وأن توقيت القياس مهم. وأشار إلى أن المسح أُجري في يونيو 2026، أي بعد ثمانية أشهر من وقف إطلاق النار وبعد مرور فصلين كاملين من تقديم الغذاء على نطاق واسع.
ويرى سباغات أن انخفاض معدل الهزال يعكس «أثر تدخل مهني»، بينما يستشهد به مؤيدو إسرائيل باعتباره دليلًا على أن هذا التدخل لم يكن ضروريًا أصلًا.
ولا تؤثر دراسة اليونيسف الجديدة في الاتهام الوارد في مذكرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، والذي يتهم نتنياهو باستخدام التجويع سلاحًا من أسلحة الحرب.
ويخلص أوبورن وشودري إلى أنه لا ينبغي لأحد، سواء كان من مؤيدي إسرائيل أو منتقديها، أن يوظف التقرير سياسيًا أو يحوله إلى أداة للمزايدات السياسية.
ويؤكد الكاتبان أن حماية أطفال غزة تظل مسؤولية إنسانية عاجلة، بعدما عانى هؤلاء الأطفال قدرًا هائلًا من الألم والرعب، وأنه ينبغي أن تتاح لهم في أسرع وقت ممكن فرصة العودة إلى حياة طبيعية، وهي الحياة التي يستحقها كل إنسان.
https://www.middleeasteye.net/opinion/gaza-starvation-why-israels-supporters-are-misrepresenting-unicef-study

